صديق الحسيني القنوجي البخاري
113
أبجد العلوم
الإفهام الرابع : في أوائل ما ظهر من العلم والكتاب اعلم أنه يقال : إن آدم عليه الصلاة والسلام كان عالما بجميع اللغات لقوله سبحانه وتعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال الإمام الرازي « 1 » : المراد أسماء كل ما خلق اللّه سبحانه وتعالى من أجناس المخلوقات بجميع اللغات التي يتكلم بها ولده اليوم ، وعلّم أيضا معانيها وأنزل عليه كتابا وهو كما ورد في حديث أبي ذر « 2 » رضي اللّه عنه أنه قال : « يا رسول اللّه أي كتاب أنزل على آدم ؟ قال : كتاب المعجم . قلت : أي كتاب المعجم ؟ قال : ا . ب . ت . ث . ج . قلت : يا رسول اللّه كم حرفا ؟ قال : تسعة وعشرون حرفا » الحديث . وذكروا أنه عشر صحف فيها سور مقطعة الحروف ، وفيها الفرائض ، والوعد والوعيد ، وأخبار الدنيا والآخرة ، وقد بين أهل كل زمان وصورهم وسيرهم مع أنبيائهم وملوكهم ، وما يحدث في الأرض من الفتن والملاحم . ولا يخفى أنه مستبعد عند أصحاب العقول القاصرة ، وأما من أمعن النظر في ( الجفر ) « 3 » ولاحظ شموله على غرائب الأمور فعنده ليس ببعيد سيما في الكتب المنزلة . هكذا قيل ولكن في صحة كتاب ( الجفر ) كلام كما بيناه في ( لقطة العجلان ) « 4 » . وروي أن آدم عليه السلام وضع كتابا في أنواع الألسن والأقلام قبل موته بثلاثمائة سنة ، كتبها في الطين ثم طبخه . فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه من خطه ، فأصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي . وكان ذلك من معجزات آدم عليه السلام ذكره السيوطي في ( المزهر ) ، وهذا أبعد مما قبله ، وفي رواية أن آدم عليه السلام كان يرسم الخطوط بالبنان ، وكان أولاده تتلقاها بوصيته منه وبعضهم بالقوة القدسية القابلة ، وكان أقرب عهد إليه إدريس عليه السلام ، فكتب بالقلم واشتهر عنه من العلوم ما لم يشتهر عن غيره ولقب بهرمس الهرامسة والمثلث بالنعمة لأنه كان نبيا ملكا حكيما ، وجميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عنه في قول كثير من العلماء وهو هرمس الأول أعني إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام المتمكن بصعيد مصر الأعلى . وقالوا : إنه أول من تكلم في الأجرام العلوية والحركات النجومية ، وأول من بنى الهياكل وعبد اللّه تعالى فيها ، وأول من نظر في الطب ، وألف لأهل زمانه قصائد في البسائط
--> ( 1 ) هو الإمام الفخر الرازي . راجع حاشية ( 1 ) ص 29 . ( 2 ) هو الصحابي الجليل أبو ذرّ الغفاري جندب بن جنادة . ( 3 ) سيأتي في الجزء الثاني من هذا الكتاب في مبحث « علم الجفر » . ( 4 ) كتاب للمؤلف ، عنوانه الكامل : « لقطة العجلان مما تمسّ إلى معرفته حاجة الإنسان » .